عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

720

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ففي كتاب الخلاَّل عن إسحاق بن منصور قال : قلت لأبي عبد الله : رجل ابتاع فضة من رجل واشترط عليه أن يصوغ خاتمًا ، فَقَالَ : " هذا يكره . هذا يصيرُ نَسيئةً " . قال أحمد : جيد هذا مكروه في نفس البيع ، ولكن لو سَمَّى له الكراء لم يكن به بأس ، هو أيضاً شرط في صرف . قال إسحاق : لا يجوز في هذا اشتراط ، والصرف منتقض . قلت : فقد فرق أبو عبد الله رضي الله عنه بين أن يسمى له الكراء أولاً ، فإن سمى له الكراء جاز ، وعلله بأنه شرط في صرف ، ومعناه : أن غايته أن يكون كالشرط . وإن لم يُسمَّ له الكراء فقد كرهه ، ولعله كرهه لما فيه من الجمع بين بيع الفضة بفضة ، فيكون بيع جنسين بأحدهما ك‍ " مد عجوة " وهي ها هنا محرمة ؛ لأنّه ينقص بالأجرة قيمة الفضة فتصير متفاضلة ، بخلاف ما إذا ابتاع منه الفضة بوزنها ثم استأجره عَلَى صياغتها بأجرة معلومة ، فإن تلك المفسدة تزول بتفصيل الثمن والأجرة . ويحتمل - وهو الأظهر - أن يكون كره ذلك إذا لم يُسَمِّ له الكراء لعدم التقابض ، ولهذا علله بأنه يصير نسيئة في البيع بخلاف ما إذا سمى له الكراء فإنَّه يصير مستأجرًا له عَلَى الصياغة ، فتصير يده يد إجارة محضة بائنةٍ عن يد المشتري فكأنه قد وكَّله في قبضه له ، ولو فعل ذلك جاز وصحَّ القبض . فكذلك إذا استأجره عليه إجارة مستقلة بأجرة مسماة بخلاف ما إذا لم يسمَّ له الأجره وشَرَطَ عليه العمل ؛ فإن الإجارة تكون في ضمن عقد البيع فتكون تابعة له وداخلةً في ضمنه ولم يحصل القبض فكرهه لذلك . ولعله كرهه كراهة تنزيه ؛ لأنّ يد البائع أيضاً يد أجير في مده الصياغة ، وإن كانت داخلة في ضمن البيع ، ولهذا لا بد أن يكون قد زاد في الثمن لأجل الصياغة ولا بد . وقوله : فيما إذا سمى الكراء هو أيضاً شرط في صرف يومئذ ، ذلك فإن معناه أنَّه لا يخرج بالتسمية عن أن يكون شرطًا في عقد الصرف كما لو لم يسمَّ .